كشف تحليل أجراه «مرصد الذهب» عن اتساع الفجوة بين وتيرة ارتفاع أسعار الذهب ونمو الحد الأدنى للأجور في مصر منذ يناير 2022، في مؤشر يفسر تصاعد لجوء شرائح من الطبقة الوسطى إلى المعدن الأصفر لحماية مدخراتها من تآكل قيمة النقود، وليس باعتباره رفاهية استثمارية أو وسيلة لتحقيق أرباح سريعة.
وأظهر التحليل ارتفاع سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 698% منذ يناير 2022، مقابل زيادة بلغت نحو 233% في الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة، ما أدى إلى تراجع كمية الذهب التي يستطيع الحد الأدنى للأجر شراءها بنحو 58% خلال الفترة نفسها.
الأجور ترتفع.. لكن بوتيرة أبطأ من الذهب
يكشف رصد «مرصد الذهب» لمسار الحد الأدنى للأجور في مصر منذ يناير 2022 عن سلسلة زيادات متتالية، بدأت من 2400 جنيه، ثم ارتفعت إلى 2700 جنيه في يناير 2023، وإلى 3000 جنيه في يوليو من العام نفسه، ثم 3500 جنيه في يناير 2024.
وقفز الحد الأدنى إلى 6000 جنيه في مايو 2024، ثم إلى 7000 جنيه في مارس 2025، قبل أن يصل الحد الأدنى للعاملين بالدولة إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو 2026، وبذلك ارتفع من 2400 جنيه إلى 8000 جنيه، بنسبة تراكمية بلغت نحو 233% منذ يناير 2022.
أما الحد الأدنى للعاملين بالقطاع الخاص، فاستقر عند 7000 جنيه منذ مارس 2025، بزيادة تراكمية تبلغ نحو 192% مقارنة بمستواه عند بداية تطبيقه في يناير 2022.
الذهب يقفز إلى ثمانية أمثال سعره
غير أن مقارنة «مرصد الذهب» بين هذا المسار وحركة سعر الذهب المحلي خلال الفترة نفسها تكشف فجوة واسعة؛ إذ ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 من نحو 800 جنيه في يناير 2022 إلى ما يقارب 6380 جنيهًا في سبتمبر 2026، بزيادة تقترب من 698%، ليصل سعر الجرام إلى نحو ثمانية أمثال مستواه في بداية الفترة.
وبينما تضاعف الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة نحو 3.3 مرة، تضاعف سعر الذهب نحو ثماني مرات، ما يعني أن ارتفاع الأجر بالقيمة الاسمية لم يكن كافيًا للحفاظ على قدرته الشرائية مقومة بالذهب.
الأجر يفقد أكثر من نصف قوته أمام الذهب
كان الحد الأدنى للأجر، البالغ 2400 جنيه في يناير 2022، يكفي نظريًا لشراء نحو 3 جرامات من الذهب عيار 21، من دون احتساب المصنعية أو فروق البيع والشراء.
وفي سبتمبر 2026، أصبح الحد الأدنى الحكومي البالغ 8000 جنيه يكفي لشراء نحو 1.25 جرام فقط، ما يكشف تراجع قدرته الشرائية مقومة بالذهب بنحو 58% منذ يناير 2022.
وباحتساب الحد الأدنى للقطاع الخاص، البالغ 7000 جنيه، فإن الأجر أصبح يعادل نحو 1.10 جرام من عيار 21، بانخفاض يقترب من 63% مقارنة ببداية فترة الرصد.
ولا تعني هذه المقارنة أن الأجور يفترض أن ترتفع بالنسبة نفسها التي يتحرك بها الذهب؛ إذ يتأثر المعدن بالسعر العالمي وسعر صرف الدولار وعوامل العرض والطلب، لكنها تكشف حجم التراجع الذي أصاب قدرة الدخل على تكوين مدخرات ذهبية ثابتة خلال السنوات الأربع الماضية.
التضخم يواصل التهام القيمة الحقيقية للدخل
يربط «مرصد الذهب» اتساع الفجوة مباشرة بمسار التضخم، الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم والرعاية الصحية، واستنزف جانبًا كبيرًا من الزيادات الاسمية التي حصل عليها العاملون.
وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9% خلال يوليو 2026، مقابل 14.3% في يونيو، قبل أن يسجل 14.5% خلال أغسطس، وفقًا للبيانات الرسمية، ما يشير إلى استمرار الضغوط على القوة الشرائية للدخول رغم تراجع التضخم عن ذروته المسجلة خلال عامي 2023 و2024.
ولا يقتصر تأثير التضخم على ارتفاع النفقات اليومية، بل يمتد إلى تقليص الفائض القابل للادخار؛ إذ تنفق الأسر نسبة أكبر من دخولها على الاحتياجات الأساسية، بينما تتراجع القيمة الحقيقية للمبالغ التي تحتفظ بها نقدًا.
وتضغط هذه المعادلة بصورة خاصة على الطبقة الوسطى، التي لا تكون دخولها منخفضة بالدرجة التي تؤهلها دائمًا للاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، ولا مرتفعة بما يكفي لامتصاص موجات التضخم من دون خفض مستوى المعيشة أو استنزاف المدخرات.
الطبقة الوسطى تدخر تحت الضغط
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن اتساع الفجوة بين نمو الأجور وارتفاع الذهب دفع شريحة من الطبقة الوسطى إلى التعامل مع المعدن باعتباره وسيلة لحماية القيمة، وليس مجرد استثمار اختياري يستهدف تحقيق الأرباح.
وأضاف أن ارتفاع مشتريات الذهب لا يعكس بالضرورة تحسنًا في مستوى معيشة الأسر أو زيادة في ثرواتها؛ فقد تشتري الأسرة جرامات محدودة أو سبيكة صغيرة بعد تقليص إنفاقها على احتياجات أخرى، بما يجعل شراء الذهب في بعض الحالات تعبيرًا عن القلق الاقتصادي، وليس مؤشرًا على الرخاء.
وأوضح أن الادخار في هذه الحالة يتخذ طابعًا اضطراريًا؛ لأن الأسرة لا تسعى بالضرورة إلى تعظيم العائد، وإنما تحاول منع المبلغ المتبقي من دخلها من فقدان قيمته تحت ضغط التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
شهادات الادخار تستعيد جزءًا من جاذبيتها
يشير «مرصد الذهب» إلى أن أدوات الادخار البنكية مرت خلال فترة الرصد بتحولات متباينة، إذ طرحت البنوك شهادات مرتفعة العائد لجذب السيولة وتعويض المدخرين جزئيًا عن ارتفاع التضخم، بعدما أدت معدلات التضخم المرتفعة إلى تراجع العائد الحقيقي على المدخرات خلال عامي 2022 و2023.
وساعد تراجع التضخم نسبيًا وبقاء العوائد البنكية عند مستويات مرتفعة على استعادة الشهادات والودائع جانبًا من جاذبيتها، لكنها لم تُلغِ الإقبال على الذهب، لأن الأداتين تؤديان وظيفتين مختلفتين داخل مدخرات الأسرة.
فالشهادات توفر عائدًا معلنًا ودخلًا دوريًا، لكنها تظل مقومة بالجنيه، وقد يرتبط استرداد قيمتها قبل موعد الاستحقاق بشروط أو خصومات، أما الذهب فلا يقدم عائدًا دوريًا، لكنه يمنح المدخر أصلًا ملموسًا يمكن الاحتفاظ به وتسييله عند الحاجة، ويتأثر بالسعر العالمي وسعر صرف الدولار.
ومن ثم، لا تقوم العلاقة بين الذهب والشهادات على الإحلال الكامل، إذ قد تحتفظ الأسرة بجزء من أموالها داخل الأوعية البنكية للحصول على دخل منتظم، وتوجه جزءًا آخر إلى الذهب لحماية القيمة والتحوط من التضخم وتقلبات سعر الصرف.
لماذا يتجه المصريون إلى الذهب؟
يرى «مرصد الذهب» أن الذهب يمتلك مجموعة من الخصائص التي تفسر تفضيله لدى شرائح من الطبقة الوسطى، في مقدمتها سهولة التسييل، وإمكانية شرائه تدريجيًا بأوزان وقيم متفاوتة، وعدم الحاجة إلى رأس مال كبير كما هو الحال في العقارات.
كما يمثل الذهب أصلًا عالميًا يرتبط سعره بالدولار، ولا يعتمد على حركة الجنيه وحده، ما يمنحه قدرة على توفير حماية مزدوجة نسبيًا من التضخم المحلي وتقلب سعر الصرف.
ويتيح المعدن كذلك للأسرة بيع جزء من مدخراتها عند الحاجة من دون تصفية كامل الحيازة، وهي ميزة مهمة لمواجهة نفقات العلاج أو التعليم أو الزواج أو فقدان مصدر الدخل.
لكن الذهب لا يخلو من المخاطر؛ إذ يتحمل المشتري فروقًا بين سعري البيع والشراء، وقد يخسر جزءًا من أمواله إذا اضطر إلى البيع خلال فترة تراجع الأسعار، كما ترتفع تكلفة الادخار عند شراء المشغولات بسبب المصنعية.
الذهب يتحول إلى حساب توفير للطوارئ
يلفت التحليل إلى أن تنامي الدور الادخاري للذهب لا يجب تفسيره باعتباره دليلًا على ارتفاع القدرة المالية للأسر؛ لأن الأسرة قد تحول مدخرات نقدية سابقة إلى ذهب من دون إضافة مدخرات جديدة، أو تشتري أوزانًا صغيرة على فترات متباعدة.
كما قد يأتي شراء الذهب على حساب الاستهلاك أو بعد الاستغناء عن بعض الاحتياجات، وهو ما يعني أن الإقبال عليه يمكن أن يعكس محاولة دفاعية للحفاظ على القيمة، وليس وفرة مالية.
وبذلك يتحول الذهب لدى بعض الأسر إلى ما يشبه «حساب توفير غير رسمي»؛ تُشترى وحداته تدريجيًا عند توافر السيولة، ثم يُعاد بيعها عند الضرورة.
اختبار القوة الشرائية للأجور
يخلص «مرصد الذهب» إلى أن الزيادات المتتالية في الأجور لم تكن كافية لتعويض الفجوة التي اتسعت أمام أسعار الذهب منذ يناير 2022؛ إذ ارتفع الحد الأدنى الحكومي بنحو 233% والحد الأدنى للقطاع الخاص بنحو 192%، بينما ارتفع عيار 21 بنحو 698%.
ونتيجة لذلك، تراجعت كمية الذهب التي يستطيع الحد الأدنى للأجر شراءها من نحو 3 جرامات في يناير 2022 إلى 1.25 جرام للعاملين بالدولة ونحو 1.10 جرام للعاملين بالقطاع الخاص في سبتمبر 2026.
ويظل استمرار هذا النمط مرتبطًا بقدرة الأجور الحقيقية على النمو بوتيرة تتجاوز التضخم، ومدى استقرار سعر الصرف، واستعادة الأدوات الادخارية التقليدية قدرتها على حماية القوة الشرائية.
وحتى يتحقق تحسن مستدام في هذه المؤشرات، يُرجح أن يظل الذهب بالنسبة إلى شريحة من الطبقة الوسطى أقرب إلى حساب توفير للطوارئ؛ تلجأ إليه لحماية جزء من قيمة دخلها، وليس تعبيرًا عن الثراء أو الرغبة في المضاربة.

