سعودي شعبان يكتب.. البنك المركزي يختار النمو.. قراءة في أبعاد قرار خفض الفائدة 200 نقطة
كما توقعنا، اتخذ البنك المركزي المصري اليوم خطوة جريئة ومحورية، وقرر خفض أسعار الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس في اجتماع لجنة السياسة النقدية. هذا القرار، الذي يأتي ضمن دورة التيسير النقدي التي بدأت في أبريل 2025، ليس مجرد تعديل روتيني للأرقام، بل هو إعلان واضح بأن دفة السياسة النقدية تتجه الآن بثقة نحو تحفيز النمو الاقتصادي، بعد أن نجحت إلى حد كبير في كبح جماح التضخم.
لقد استند قرار المركزي إلى قراءة واعية لمؤشرات الاقتصاد الكلي، التي قدمت الضوء الأخضر لهذه الخطوة. فمن ناحية، واصل التضخم مساره النزولي، حيث تراجع المعدل السنوي إلى 13.9% في يوليو، مع تسجيل انخفاض شهري بنسبة 0.5%. هذا التباطؤ رفع سعر الفائدة الحقيقي إلى ما يقرب من 11%، وهي مساحة مريحة للغاية سمحت لصانع السياسة النقدية بالتحرك دون المخاطرة بعودة الضغوط التضخمية.
ومن ناحية أخرى، وهو الدافع الأهم، أظهر الاقتصاد المصري مرونة وقوة فاقت التوقعات. تشير التقديرات الأولية إلى نمو قوي بلغ 5.4% في الربع الثاني من عام 2025، مدعومًا بقطاعات حقيقية ومنتجة كالتصنيع غير البترولي والسياحة. هذا الأداء المتميز رفع متوسط النمو للعام المالي 2024/2025 بأكمله إلى 4.5%، وهو ما يقارب ضعف معدل النمو المسجل في العام المالي السابق. لقد كانت هذه الأرقام بمثابة رسالة واضحة للبنك المركزي بأن الاقتصاد جاهز للانطلاق، وأن الوقت قد حان لتخفيف تكلفة التمويل ومنح القطاع الخاص دفعة قوية.
إن الآثار الإيجابية لهذا القرار ستكون ملموسة على مستويين. الأول، هو تخفيف العبء عن كاهل الموازنة العامة للدولة؛ فمع كل خفض بنسبة 1% في أسعار الفائدة، توفر الدولة ما يقرب من 70 مليار جنيه من تكلفة خدمة الدين العام، وهذا القرار وحده من شأنه أن يوفر سيولة ضخمة يمكن توجيهها لقطاعات أكثر أهمية. أما المستوى الثاني، فهو تحفيز الاستثمار بشكل مباشر، حيث ستشجع تكلفة التمويل المنخفضة الشركات على التوسع في مشاريعها، مما يخلق فرص عمل ويعزز النشاط الاقتصادي ككل.
وقد بدأت الأسواق بالفعل في التفاعل، حيث شرعت لجان الأصول والخصوم “إلكو” في البنوك بعقد اجتماعات فورية لمراجعة عوائد شهادات الادخار، وهو ما سيؤثر مباشرة على قرارات المدخرين خلال الفترة القادمة.
أتوقع أن يستمر المسار النزولي للتضخم، وإن كان لا يزال عند مستويات مرتفعة تتطلب المتابعة. لكن الأكيد أن قرار اليوم هو خطوة محسوبة ومدروسة على رقعة الشطرنج الاقتصادية، توازن بدقة بين دعم النمو وتخفيف أعباء الدين، وتمثل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي للاقتصاد المصري.