«مرصد الذهب»: 130 طنًا صافي مشتريات البنوك المركزية في 7 أشهر.. وإعادة توزيع الاحتياطيات لا تعني بيع الذهب
كشف تحليل أجراه «مرصد الذهب» عن استمرار زيادة احتياطيات الذهب لدى عدد من البنوك المركزية خلال 2026، رغم تباطؤ صافي مشترياتها المعلنة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفي الوقت ذاته، أعادت دول توزيع ذهبها بين مراكز التخزين، أو استبدلت سبائك بأخرى أكثر قابلية للتداول، دون أن يعني ذلك بالضرورة انخفاض احتياطياتها.
ووفق أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي المتاحة عن البنوك التي أفصحت عن حيازاتها حتى نهاية يوليو، بلغ صافي المشتريات المعلنة نحو 130 طنًا منذ بداية العام، مقابل نحو 160 طنًا في الأشهر السبعة الأولى من 2025، ويمثل «الصافي» محصلة الزيادات والمبيعات، وليس إجمالي ما اشترته الدول قبل خصم ما باعته.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن نقل الاحتياطيات بين نيويورك ولندن أو إعادتها إلى الداخل لا يعني في حد ذاته استعداد البنك المركزي للتخلص من الذهب.
وأضاف أن مكان تخزين الاحتياطي، وسرعة الوصول إليه، وسهولة استخدامه وقت الأزمات، أصبحت عناصر مؤثرة في طريقة إدارته.
بولندا والصين تتصدران المشترين المعلنين
تصدّر البنك الوطني البولندي قائمة المشترين المعلنين بإضافة نحو 90 طنًا منذ بداية العام وحتى يوليو، لترتفع حيازاته إلى قرابة 640 طنًا، تمثل نحو 28% من إجمالي احتياطياته، مقتربًا من هدفه البالغ 700 طن.
وجاء بنك الشعب الصيني ثانيًا بإضافة نحو 60 طنًا خلال الفترة نفسها، ليصل رصيده المعلن بنهاية يوليو إلى نحو 2366 طنًا.
وأضافت الصين نحو 20 طنًا في أغسطس، لكن هذه الزيادة تخص الصين وحدها؛ ولا تمثل صافي مشتريات البنوك المركزية عالميًا خلال ذلك الشهر.
وزادت أوزبكستان حيازاتها بنحو 40 طنًا حتى يوليو، رغم بيعها طنًا واحدًا خلال ذلك الشهر، ليبلغ رصيدها نحو 431 طنًا، ويمثل الذهب نحو 87% من قيمة احتياطياتها. كما أضافت كازاخستان نحو 29 طنًا، والتشيك 12 طنًا، وماليزيا 6 أطنان، وبوليفيا نحو طنين.
وفي المقابل، سجلت روسيا صافي مبيعات بنحو 50 طنًا منذ بداية العام وحتى يوليو، وتركيا نحو 85 طنًا، وتُظهر هذه الأرقام أن اتجاه البنوك المركزية ليس واحدًا؛ فبعضها يزيد حيازاته، بينما قد يبيع بعضها الآخر ضمن إدارة السيولة والاحتياطيات.
لماذا يظهر رقم آخر يبلغ 345 طنًا؟
يميز مجلس الذهب العالمي بين التغيرات المعلنة في حيازات البنوك، وتقديره الأوسع لصافي طلب البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية، الذي يشمل نشاطًا لم يُعلن تفصيله وقت إعداد البيانات.
فقد بلغ صافي الشراء المعلن نحو 102 طن في النصف الأول من 2026، بينما قدّر المجلس صافي طلب القطاع الرسمي بنحو 345 طنًا للفترة نفسها: قرابة 57 طنًا في الربع الأول و289 طنًا في الربع الثاني.
ولا تعني حصيلة 345 طنًا أن المجلس حدد الدول التي اشترت كل هذه الكمية؛ فهي تقدير مجمع قابل للمراجعة، وكان قد خفّض تقديره للربع الأول بعد إعادة تصنيف بعض التدفقات من طلب القطاع الرسمي إلى التداول خارج البورصات.
وبذلك، يجيب الرقمان عن سؤالين مختلفين: 130 طنًا هو صافي التغيرات المعلنة المتاحة حتى يوليو، أما 345 طنًا فهو تقدير لصافي طلب القطاع الرسمي خلال النصف الأول، وقد تتغير بيانات الحيازات المعلنة مع وصول إفصاحات متأخرة أو تحديث الأرقام السابقة.
لماذا تغيّر الدول مكان حفظ الذهب؟
قد تحتفظ الدولة بذهبها في أكثر من موقع، حيث يمنحها التخزين المحلي سيطرة مادية مباشرة على جزء من احتياطياتها، بينما يسهّل وجود جزء آخر في مركز تداول مثل لندن بيعه أو استخدامه عند الحاجة، وقد تنقل البنوك الذهب أيضًا لتقليل الاعتماد على موقع واحد، أو لاستبدال سبائك قديمة بأخرى تلائم متطلبات التداول.
وأظهر مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أن 57% من البنوك المركزية المشاركة التي تحتفظ بالذهب تخزن جزءًا منه لدى بنك إنجلترا، فيما تحتفظ 49% بجزء داخل بلدانها، ويمكن للبنك نفسه استخدام الموقعين، لذلك لا تُجمع النسبتان باعتبارهما مجموعتين منفصلتين، وتعكس النتائج إجابات المشاركين في المسح، ولا تمثل حصرًا لجميع بنوك العالم
هولندا.. بيع في نيويورك وشراء في لندن
تقدم هولندا مثالًا واضحًا على الفرق بين تغيير موقع الذهب وبيعه صافيًا، فبين مارس وأغسطس 2026، أعاد البنك المركزي الهولندي توزيع نحو 86 طنًا من احتياطياته المحفوظة في أمريكا الشمالية، مستخدمًا مزيجًا من النقل الفعلي والبيع والشراء.
باع البنك نحو 59 طنًا في نيويورك واشترى كمية مماثلة في لندن، بدل شحن السبائك نفسها بين المدينتين، كما نقل فعليًا أكثر من 27 طنًا من أمريكا الشمالية إلى مركزه في زايست داخل هولندا، ونقل كمية مماثلة من زايست إلى لندن.
وبعد العملية، ارتفعت حصة لندن من احتياطي هولندا من 18.1% إلى 32.1%، وتراجعت حصة نيويورك من 31.3% إلى 18.5%، بينما بقي إجمالي الذهب الهولندي ثابتًا عند 612.4 طنًا، وكان هدف إعادة التوزيع تحسين قابلية الذهب للتداول والجاهزية لاستخدامه عند الأزمات، دون خفض الرصيد الكلي.
فرنسا.. استبدال السبائك دون خفض الرصيد
اتبَع بنك فرنسا آلية أخرى لتحديث جزء من احتياطيه. فبين يوليو 2025 ويناير 2026، باع 129 طنًا من السبائك القديمة المحفوظة في نيويورك، واشترى بدلًا منها كمية مماثلة من سبائك تلائم المعايير التي يعتمدها، وأصبحت محفوظة في باريس.
ولم تنخفض حيازات فرنسا نتيجة العملية، إذ بقي إجمالي احتياطيها عند نحو 2437 طنًا، وحقق الاستبدال مكسبًا رأسماليًا مرتبطًا بالعملية بلغ نحو 12.8 مليار يورو، سُجل منه نحو 11 مليار يورو في حسابات 2025، وتختلف هذه الآلية عن شحن السبائك القديمة نفسها من نيويورك إلى فرنسا؛ فقد جرى البيع والشراء مقابل الاحتفاظ بكمية مساوية من الذهب.
ولإعادة توزيع الذهب سوابق لدى دول أخرى، من بينها ألمانيا وبولندا والمجر والهند، لكن دوافعها وطرق تنفيذها تباينت بين النقل الفعلي إلى الداخل وتغيير مواقع الحفظ الخارجية. كما أن طلب استعادة ذهب محفوظ في الخارج، مثل طلب فنزويلا استعادة ذهبها من بنك إنجلترا، لا يعني أن عملية الاستعادة اكتملت.
وأكد فاروق أن قراءة جانب البيع وحده في عملية مثل تلك التي نفذتها هولندا تُعطي انطباعًا مضللًا؛ إذ قابل بيع 59 طنًا في نيويورك شراء كمية مساوية في لندن.
وأضاف أن تساوي الكميتين لا يستبعد تأثر السيولة أو الأسعار مؤقتًا باختلاف توقيت التنفيذ ومكانه، لكنه يعني أن العملية لم تُخفض احتياطي البنك من الذهب.
وأشار إلى أن التمييز بين شراء الذهب أو بيعه صافيًا، وتغيير مكان حفظه أو نوع سبائكه، ضروري لفهم قرارات البنوك المركزية، ويدعم هذا التمييز ما أظهره مسح مجلس الذهب العالمي: إذ توقع 45% من البنوك المشاركة زيادة احتياطياتها خلال عام، مقابل 1% توقعت خفضها، مع بقاء هذه التوقعات آراءً للمشاركين تختلف عن قرارات الشراء والبيع الفعلية.

