د. هاني ثابت يكتب: المشروع الذي يبيع أكثر ويحتاج نقدًا أكثر: أين تختبئ فجوة التمويل؟
خبير مصرفي وكاتب في الشؤون الاقتصادية والإدارية
قد تبدو زيادة الطلبات أفضل خبر يصل إلى صاحب مشروع، لكنه قد يجد نفسه، بعد الاحتفال بالمبيعات الجديدة، عاجزًا عن توفير المبلغ اللازم لشراء البضاعة التالية. المفارقة هنا ليست دليلًا تلقائيًا على خسارة النشاط؛ فقد تكون المشكلة في المسافة الزمنية بين دفع الأموال واستعادتها. لذلك يستحق كل قرار توسع سؤالًا موازيًا لسؤال الربح المتوقع: من سيمول التنفيذ إلى أن يدفع العميل؟
المبيعات لا تدخل الخزينة دائمًا يوم تسجيلها، كما أن الالتزامات لا تنتظر بالضرورة موعد التحصيل. وتوضح أدبيات إدارة رأس المال العامل أن النشاط المربح قد يواجه صعوبة في سداد مستحقاته إذا لم ينسجم توقيت التدفقات الداخلة والخارجة. لكن فهم هذه الفكرة يصبح أكثر فائدة عندما نحولها من تعريف مالي إلى جدول بسيط يربط كل طلب بمواعيد الدفع والتحصيل.
لنتصور مشروعًا افتراضيًا يقبل طلبًا قيمته مائة ألف جنيه. يحتاج تنفيذ الطلب إلى بضاعة تكلفتها خمسة وسبعون ألفًا، ومصروفات نقدية مباشرة قدرها عشرة آلاف. يدفع المشروع تكلفة البضاعة في اليوم الأول، والمصروفات في اليوم الخامس عشر، ويسلم الطلب في اليوم الثلاثين، ثم يحصل قيمته كاملة في اليوم الستين. نفترض عدم وجود دفعة مقدمة أو ائتمان من المورد، وعدم وجود إيرادات أو مدفوعات أخرى تخص هذا المثال.
قبل التحصيل يكون المشروع قد دفع خمسة وثمانين ألف جنيه، ثم يستقبل مائة ألف في اليوم الستين. والفارق البالغ خمسة عشر ألفًا يمثل فائضًا مبسطًا قبل المصروفات العامة والضرائب وتكاليف التمويل، وليس صافي ربح محاسبي كاملًا. أما الاحتياج النقدي الأقصى لهذه العملية، قبل احتساب أي رصيد نقدي متاح، فيبلغ خمسة وثمانين ألف جنيه من اليوم الخامس عشر حتى التحصيل.
إذا قبل المشروع طلبين متماثلين في التوقيت والتكلفة، ارتفعت قيمة المبيعات إلى مائتي ألف جنيه، وارتفع الفائض المبسط إلى ثلاثين ألفًا، لكن الاحتياج النقدي الأقصى أصبح مائة وسبعين ألفًا. وإذا كانت لديه مائة ألف جنيه متاحة وغير مخصصة لالتزامات أخرى، فستظهر فجوة قدرها سبعون ألفًا. هذه أرقام توضيحية مصطنعة، وليست بيانات شركة أو تقديرًا لقطاع اقتصادي.
تكشف هذه المقارنة أن قيمة الطلب ليست المبلغ المطلوب تمويله، وأن زيادة الفائض المتوقع لا تلغي ضرورة توفير النقد في موعده. كما أن تأخر العميل عن اليوم الستين يطيل فترة بقاء الأموال خارج الخزينة. وفي مشروع حقيقي تتداخل الطلبات والأجور والإيجارات والضرائب، وقد تسد تحصيلات سابقة جزءًا من الفجوة؛ لذلك لا يصح تعميم نتيجة المثال أو ضرب المبيعات في نسبة ثابتة لتحديد التمويل.
أقترح أن يبدأ صاحب المشروع بورقة قرار لكل توسع مهم، تتضمن أربع خانات: ما الذي سنلتزم بدفعه، ومتى، وما الذي نتوقع تحصيله، وعلى أي دليل؟ وتأتي قيمة الخانة الأخيرة من التمييز بين موعد مكتوب في العقد، ووعد شفهي، وتقدير داخلي متفائل. لا تتساوى هذه المعلومات في القوة، حتى إذا أُدخلت جميعها في الجدول بالتاريخ نفسه.
ثم يُضاف إلى الورقة اسم مسؤول عن كل تحصيل مؤثر، وخطوة واضحة إذا تغير الموعد. هل اكتملت مستندات التسليم؟ هل أُرسلت الفاتورة إلى الشخص الصحيح؟ هل توجد ملاحظة تعوق اعتمادها؟ هذه أسئلة تنفيذية مقترحة، وليست افتراضًا بأن كل تأخير سببه العميل. أحيانًا يكون الوقت الضائع بين انتهاء العمل وتجهيز مستنداته جزءًا يمكن للمشروع نفسه معالجته.
وعند مناقشة طلب جديد، يمكن مقارنة بدائل محددة قبل اعتماد التنفيذ. ماذا يحدث إذا جرى التسليم على مرحلتين بدلًا من مرحلة واحدة؟ وما أثر دفعة مقدمة متفق عليها؟ وهل يسمح المورد بجدول سداد يناسب التنفيذ؟ ينبغي تسجيل أثر كل بديل على النقد والهامش والتزامات الأطراف. فقد يحسن شرطٌ السيولة لكنه يخفض العائد أو يزيد تكلفة التوريد، فلا تكون المفاضلة محسومة بمجرد تقديم موعد التحصيل.
ولا أنصح بتحويل تأخير مستحقات الموردين إلى حل تلقائي. التفاوض المسبق يختلف عن تجاوز موعد السداد دون اتفاق، كما أن الاحتفاظ بمخزون أقل لا يناسب كل نشاط بالقدر نفسه. المطلوب اختيار ترتيب قابل للتنفيذ يحافظ على القدرة التشغيلية والعلاقات التجارية، مع إدراك أن وجود بضاعة في المخزن لا يعني إمكان تحويلها فورًا إلى نقد بالسعر المتوقع.
ولجعل القرار قابلًا للمراجعة، أقترح عرض ثلاثة تصورات جنبًا إلى جنب: التحصيل في الموعد، وتأخره أسبوعين، وتأخره شهرًا. لكل تصور يُكتب أقل رصيد نقدي متوقع، وتاريخ الوصول إليه، والإجراء الممكن قبل هذا التاريخ. ليست هذه المدد معيارًا ثابتًا؛ بل نقطة بداية يمكن تعديلها بحسب العقود وطبيعة النشاط. وتفيد المقارنة في كشف اعتماد الخطة على وصول دفعة واحدة في يوم حاسم.
وفي الاجتماع الدوري، ينبغي أن يصاحب رقم المبيعات سؤالان عمليان: كم من هذه المبيعات تحوّل إلى نقد بالفعل؟ وما الالتزامات التي ستستحق قبل وصول الباقي؟ ويمكن توثيق الفارق بين المتوقع والفعلي وسببه، حتى تتحسن التقديرات التالية. بذلك يصبح جدول السيولة أداة لاتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ، بدلًا من ملف يُعد مرة واحدة ثم يفقد صلته بما يحدث.
النمو القابل للاستمرار يحتاج إلى توافق بين فرصة البيع وقدرة المشروع على الوفاء بوعده. وقبل قبول طلب أكبر، تستحق الإدارة أن ترى أيام الضغط النقدي بوضوح، وأن تحدد من سيتابعها وكيف ستُغطى. عندها تصبح زيادة المبيعات خطوة محسوبة، ويصبح التمويل، إن لزم، مرتبطًا باحتياج معلوم وتوقيت محدد، مع بقاء تقييم التكلفة والمخاطر جزءًا من القرار.

