رئيس التحرير رامي الحضري مدير التحرير محمد سليمان
آخر الأخبار
مفاجأة لسكان الإيجار القديم.. أولوية للحصول على شقق من الدولة إيجار أو تمليك ياسين منصور: الحرب سترفع تكلفة البناء 25%.. لكن الطلب على العقارات في مصر يتصاعد أسبوع حافل لوزارة الإسكان.. طرح وحدات بالعاصمة الجديدة وأراضٍ جديدة للمواطنين الإسكان تخصص 1349 قطعة أرض بالعبور الجديدة بعد 5 قرعات علنية لتوفيق الأوضاع «سكن لكل المصريين» يحقق إقبالًا قياسيًا.. تنفيذ 788 ألف وحدة والإعلان عن شروط التقديم الجديدة شركة "Just Development" تعلن نجاحات بيعية وإنشائية قياسية في مشروعي Legacy و X 1 «جولدن تاون للتطوير» تعيين عمر النجار مديرًا لقطاع التسويق لتعزيز استراتيجيتها التوسعية وإطلاق مشروع... سابقة بالبورصة.. "مدينة مصر" توزع أسهم خزينة بقيمة 463 مليون جنيه على المساهمين ضمن أكبر توزيع أرباح... مركز الملاذ الآمن: أسعار الفضة ترتفع محليًا وسط صعود النفط وتزايد المخاطر التضخمية سحور يجمع رموز السياحة والإعلام.. إيهاب عبد العال يستضيف قيادات القطاع في سميراميس

اعلان جانبي  يسار
اعلان جانبي يمين

الحد من مخاطر التدخين في النرويج بين واقع المجتمع وطموح السياسات العامة

في ظل التوجهات العالمية لتقليص معدلات التدخين للوصول لمجتمعات أكثر صحة، تبرز قضية التدخين بوصفها معضلة مزمنة، لا تزال الجهات المعنية بمعالجتها تعمل بنهج واحد تقليدي يقوم على الإقلاع الفوري والتام. هذا النهج، رغم وجاهته من الناحية الطبية، لا يبدو منسجماً مع واقع المدخنين، خصوصاً أولئك الذين يرون أنفسهم مرضى بحاجة للعلاج، بل أنهم يستهلكون التبغ والنيكوتين على سبيل الترفيه والتسلية، ويرون أنفسهم كأشخاص يمارسون عادة لها بعد اجتماعي أو نفسي، وربما شخصي.
أحدث مثال على ذلك، ما طرحه وزير الصحة والرعاية الصحية النرويجي، يان كريستيان فيستري، من مبادرة حكومية لتقديم برامج علاج مجانية للإقلاع عن التدخين، تتضمن إرشادات وأدوية على نفقة الدولة، وذلك في سياق السعي لتحقيق هدف النرويج الطموح الرامي لتحويل المجتمع النرويجي لمجتمع خالٍ من التبغ والنيكوتين بحلول العام 2030.
لكن هذا الطموح سرعان ما اصطدم بالواقع، حيث شكك باحثون في فاعلية هذا التوجه، واعتبروه مثالاً واضحاً على هيمنة السياسة على الأدلة العلمية.
في هذا السياق، انتقد الباحث في معهد الصحة العامة، كارل إريك لوند، هذا البرنامج بشدة، معتبراً أنه يخدم شركات الأدوية أكثر مما يخدم المدخنين أنفسهم، فهو يرى أن معظم المستهدفين، والذين يصل عددهم قرابة 300 ألف مدخن يومي، وهم من كبار السن، من خارج سوق العمل، كما يفتقرون من الأساس إلى الدافع للإقلاع، وبالتالي، فإن ضخ الأموال في برامج تقليدية لا تلامس دوافع المستهدفين الحقيقية، هو مجرد تكرار لمحاولات سابقة ثبت محدودية أثرها.
المفارقة تكمن في أن البرنامج التجريبي الذي استندت إليه الوزارة، ورغم نتائجه الإيجابية نسبياً (30% أقلعوا بعد 9 أشهر)، لم يغير قناعة لوند؛ إذ أنه يؤمن بأن النجاح الحقيقي يتمثل في تبني خيارات متعددة تناسب شرائح متنوعة، لا في فرض نموذج موحد لا يناسب جميع الفئات.
هنا، تبرز سياسة الحد من المخاطر كخيار عملي يوازن بين الطموح والواقع؛ فبدلاً عن التوجه لفرض الإقلاع الكامل، تقترح هذه السياسة تقديم بدائل تحتوي على النيكوتين ولكنها أقل خطورة، كالسجائر الإلكترونية والتبغ المسخن ومنتجات النيكوتين الخالية من التبغ. هذه الخيارات، التي أثبتت نجاحها في إنجلترا ونيوزيلندا، لا تزال محظورة في النرويج، ليس لأسباب علمية، بل نتيجة مواقف سياسية متشددة.
النيكوتين لا يُصنف كمادة مسرطنة من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، ولا من قبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أو خدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) وهذا التصنيف ليس مجرد مسألة أكاديمية، بل يُعد عنصرًا أساسيًا في صياغة واعتماد سياسات وبرامج فعّالة في مجال الصحة العامة.
وينبغي أن تستند السياسات الصحية إلى الأدلة العلمية، لا إلى المخاوف أو الوصمة الاجتماعية. فعندما نُقصي العلم لصالح الأيديولوجيا، فإننا نخفق في حماية من نُفترض أننا نخدمهم. تقليل مخاطر التبغ ليس نوعًا من التهاون، بل هو التزام حقيقي بمبدأ العدالة الصحية.
ويبدو أن الإصرار على الحلول المثالية، يتجاهل تعقيدات الواقع وتنوع الأفراد في النرويج؛ فتبنّي هدف “مجتمع خالٍ من النيكوتين” يبدو جذاباً على الورق، لكنه يتحول إلى طموح غير واقعي عندما لا يراعي السياق الاجتماعي والنفسي للفئات المستهدفة. المشكلة ليست في الأهداف بحد ذاتها، بل في غياب المرونة والاعتراف بأن تغيير السلوك يتم من خلال خيارات متعددة تُمكّن الأفراد من اتخاذ خطوات تدريجية نحو نمط حياة أكثر صحة، وبأن تمسك السياسات العامة بنموذج واحد يؤدي إلى إقصاء فئات يمكن إنقاذها صحياً لو أُتيحت لها بدائل واقعية.
سياسيون مثل بورده هوكسرود من حزب التقدّم (FrP)، أعادوا طرح إشكالية الحريات الفردية، منتقدين الطابع التوجيهي في الخطة، ذلك أنه برغم تأكيد الوزير فيستري أن البرنامج طوعي، إلا أن الطرح العام لا يزال يغلب عليه الطابع المثالي، لا العملي.
وفي خضم هذا الجدل، تبرز تساؤلات مشروعة: هل الدولة تخسر أكثر مما تكسب من المدخنين؟ وهل تكلفة الإقلاع تُعادل فعلاً ما يدفعونه من ضرائب على التبغ؟
المعطيات تشير إلى أن النرويج تجني من ضرائب التبغ ما بين 6 إلى 9 مليارات كرونة سنوياً، بينما تتحمل تكلفة الرعاية الصحية الناجمة عن التدخين. هذه المعادلة المعقدة تُظهر أن النقاش ليس فقط صحياً، بل اقتصادياً أيضاً.
من جهتها، وزارة الصحة تشدد على أن السجائر الإلكترونية ليست وسيلة موصى بها للإقلاع، مُبررة ذلك بتجربة المملكة المتحدة التي شهدت انتشاراً واسعاً بين الشباب، ما دفعها لتشديد الرقابة. لكن هذا التبرير لا يقلل من حقيقة أن كثيراً من المدخنين البالغين يرغبون بخيارات أخرى، بعيداً عن العلاج الدوائي.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل الهدف الحقيقي هو إنقاذ الناس من مخاطر التدخين، أم مواصلة الدفاع عن نموذج واحد لا يناسب الجميع؟ إذا كان الهدف تحسين الصحة العامة، فإنه يتوجب التحرر من المثالية السياسية، وتبنّي منهج أكثر واقعية وإنصافاً، وبالعمل بجدية وفقاً لفكر يرفع من شأن سياسة الحد من المخاطر ولا يرى فيها تراجعاً، بل تطوراً في الفهم والإدارة، واعترافاً بأن الصحة ليست فقط “الامتناع” بمعنى الإقلاع الفوري والتام، بل القدرة على الاختيار الواعي والمستنير.

اترك تعليقا